بين السلوكات المثيرة للجدل وتسجيل الملتقى العالمي للتصوف بفرنسا: إلى أين يتجه مشروع المشرف على الملتقى؟
ماهر بدر
أثارت مجموعة من التصرفات والمواقف المنسوبة إلى المشرف على الملتقى العالمي للتصوف الذي يقام بمذاغ-المغرب، موجة من الانتقادات والتساؤلات في أوساط عدد من المتتبعين للشأن الديني والصوفي بالمغرب، الذين يرون أن هذه الممارسات تعكس ابتعادا متزايدا عن المرجعية الروحية والدينية للتصوف، وكذا عن الهوية الوطنية الأصيلة التي ظل الملتقى يقدم نفسه في إطارها لسنوات طويلة.
ومن بين أبرز المؤاخذات التي يثيرها منتقدوه ما يتعلق بقيامه بتسجيل اسم الطريقة القادرية البودشيشية كعلامة تجارية في عدد من الدول الأوروبية، وهو ما اعتبره البعض انسلاخا عن الإرث الروحي والتاريخي الجماعي للتصوف وتحويله إلى ملكية قانونية خاصة. كما وُجهت إليه انتقادات بسبب إقحامه في ذات الملكية لأنشطة وممارسات محرمة شرعا ولا تنسجم، مع رسالة التصوف السني وأهدافه التربوية والروحية.
كما أثيرت تساؤلات بشأن علاقاته وارتباطاته الخارجية، خاصة ما يتعلق بمبايعته للعزمية المصرية ذات المرجعية الشيعية، وهو ما اعتبروه خروجًا عن الثوابت العقدية والمذهبية التي يقوم عليها النموذج الديني المغربي القائم على العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوف السني المعتدل.
وتتوسع دائرة الانتقاد كذلك لتشمل ظهوره في فضاءات ومناسبات لا تنسجم مع طبيعة المسؤولية الدينية والتربوية التي يتصدرها (كأماكن الاختلاط الفاحش والخمور واللهو....)، وما ارتبط بذلك من مظاهر بعيدة عن قيم الوقار والاستقامة التي شكلت عبر التاريخ أحد أهم مقومات التربية الروحية والتصوف المغربي الأصيل.
ويرى أصحاب هذه الانتقادات أن هذه الممارسات، مجتمعة، لا تمثل مجرد أخطاء معزولة أو اجتهادات شخصية، بل تعكس مسارًا متدرجًا من الابتعاد عن الثوابت الروحية والدينية والوطنية التي ظل الملتقى يعلن التزامه بها.
وفي هذا السياق يأتي الكشف عن تسجيل اسم الملتقى بفرنسا وإخضاعه لإطار قانوني أجنبي باعتباره محطة جديدة في هذا المسار، تطرح أسئلة عميقة حول طبيعة المشروع واتجاهاته المستقبلية.
فهذا الإجراء لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد خطوة إدارية عادية، بل يمثل تحولًا جوهريًا يستدعي إعادة تقييم الخطاب الذي قُدم للرأي العام طوال السنوات الماضية بشأن هوية الملتقى ومرجعياته وأهدافه. فكيف يمكن لمبادرة ظلت تقدم نفسها باعتبارها معبرة عن الثوابت الدينية والوطنية للمملكة المغربية وحاملة لرسالة التصوف المغربي الأصيل أن تنقل مركز التحكم القانوني في اسمها ومستقبلها التنظيمي إلى خارج الوطن؟
وكيف يمكن الاستمرار في تسويق هذا الملتقى باعتباره واجهة للنموذج الديني المغربي، بينما أصبح خاضعًا لإطار قانوني أجنبي لا يرتبط بالمؤسسات الوطنية المؤطرة للشأن الديني تحت إمارة المؤمنين؟
إن هذه المعطيات تسقط محاولات الخلط بين خدمة الثوابت الوطنية وبين بناء كيانات موازية تتجاوز المرجعية الدينية الرسمية للمملكة. فخدمة النموذج الديني المغربي لا تتحقق بالشعارات أو المهرجانات أو الخطابات الاحتفالية، وإنما بالالتزام العملي والصريح بالثوابت الدينية والوطنية ومؤسساتها الجامعة.
ومن هنا تبرز أسئلة مشروعة يطرحها الرأي العام:
- من يملك اليوم سلطة القرار داخل هذا الملتقى؟
- ومن يتحكم في مستقبله وتوجهاته؟
- وما طبيعة الجهات التي تدعمه أو تموله أو تؤثر في اختياراته؟
- وماهي الأجندات الحقيقية والمقاصد الخفية التي يشتغل عليها هذا الملتقى؟
- وكيف يمكن تبرير انحرافات المشرف على ذات الملتقى؟
- ولماذا لا يتم تقديم توضيحات كافية بشأن هذه القضايا الحساسة؟
لقد ظل التصوف المغربي عبر تاريخه الطويل سندًا لوحدة الأمة وحصنًا لهويتها الدينية والوطنية، ولم يكن يومًا مشروعًا منفصلًا عن المرجعيات الجامعة للمغاربة. ولذلك فإن كل ممارسة تثير الشكوك حول الارتباطات أو المرجعيات أو الولاءات تظل موضوعًا مشروعًا للنقاش العمومي والمساءلة.
وإذا كانت الوقائع المتداولة تؤكد أن الملتقى لم يعد مبادرة مغربية خالصة من الناحية القانونية والتنظيمية، فإن من حق المواطنين أن يتساءلوا عن الأساس الذي تُطلب بموجبه الرعاية أو الدعم أو الاحتضان المؤسساتي لهذا الملتقى. فالرعاية الرمزية والمؤسساتية تقتضي أولًا وضوح الهوية والمرجعية والارتباط الوطني، لا الغموض والالتباس وتضارب الرسائل.
إن أخطر ما تكشف عنه هذه القضية ليس مجرد تسجيل الاسم خارج المغرب، بل ما تعكسه من تناقض بين الخطاب والممارسة. فبينما يُقدَّم الملتقى باعتباره مدافعًا عن الثوابت الدينية والوطنية للمملكة، يرى منتقدوه أن الوقائع المتراكمة تشير إلى مسار من الانسلاخ التدريجي عن تلك الثوابت، وعن المرجعية الدينية الرسمية للدولة، بما يطرح تساؤلات متزايدة حول طبيعة المشروع الحقيقي الذي يُراد بناؤه.
ولذلك فإن الحاجة إلى التوضيح أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالقضايا المرتبطة بالدين والهوية والثوابت العليا للأمة ليست شأنًا خاصًا بأفراد أو جماعات، وإنما هي قضية عامة تهم جميع المغاربة، الذين من حقهم معرفة الحقيقة كاملة بشأن الوضع القانوني للملتقى، ومصادر دعمه وتمويله، وحدود علاقته بالمؤسسات الدينية الوطنية، ومدى انسجام مساره الحالي مع المرجعية الدينية والوطنية التي ظل يعلن الانتساب إليها.
ويبقى السؤال الجوهري مطروحًا: هل ما يزال هذا الملتقى مشروعًا مغربيًا خالصًا كما قُدم للمغاربة لسنوات طويلة، أم أن التحولات المتتالية التي شهدها جعلته يسلك مسارًا مختلفًا لم يعد معه ممكنًا الاستمرار في الاحتماء بشرعية الثوابت الوطنية واستثمار رمزية المؤسسات الدينية للمملكة لتسويق مشروع أصبحت مرجعياته القانونية والتنظيمية خارج حدود الوطن؟

تعليقات
إرسال تعليق