بين المشرط والمصير: حرب الجينات التي تعيد رسم حدود الوجود
يوسف حسن يكتب - ليست حروب هذا العصر تلك التي تعلن عن نفسها بصواريخ أو توقّع معاهداتها على منصات خشبية. إنها حروب تُدار في صمت، خلف جدران مبطنة بالرصاص، وتحت أنوار باردة لمختبرات لا تعترف إلا بلغة الحمض النووي. إنها الحرب التي لا تُهزم الجيوش فيها، بل تُمسخ الهوية. لا تُستولى فيها على الأرض، بل على الجسد البشري نفسه، ليُحوَّل من معقل للمقاومة إلى خريطة بيولوجية مفتوحة للتجريب. اليوم، تنكشف خيوط شبكة عنكبوتية خبيثة، تمتد من غرف التحقيق المظلمة إلى أرفف بنوك التخصيب السرية. شبكة تلتقي فيها أيادٍ عدوة، ظاهرها "التحقيق" وباطنها التشريح. ظاهرها "الاستجواب" وباطنها سرقة الشفرة الوراثية. الأسرى ليسوا مجرد رهائن في صفقة سياسية؛ إنهم أصبحوا نماذج اختبار في مشروع طويل النفس، هدفه تفكيك أسرار الصمود البيولوجي للأمة. ولم يكن نبش القبور، مهما علت قداسة من فيها، سوى فصل من فصول هذه الملحمة الدموية. ففي الحروب الجينية، تكون الرفات مرجعًا لا يُقدّر بثمن، وسجلاً حيًا لأسرار لم تستطع الحروب والسنوات أن تمحوها. إنه البحث عن النموذج الأصلي الذي قاوم، لمعرفة كيف يمكن كسر نسخته المستقبلي...