طهران تقلب الطاولة: لا لتفكيك برنامجنا النووي دون كشف "ديمونة"
مريم سليم تكتب-
بعد أشهر من التلاعب والتقلب الذي أبداه ترامب، حيث تراجع أكثر من مرة عن تفاهمات رعاها الوسطاء الدوليون، انتقلت الدبلوماسية الإيرانية من موقع الدفاع إلى الهجوم المضاد، مستثمرة استراتيجية "النفس الطويل" لتفرض معادلة جديدة.
اليوم، تطل واشنطن وتل أبيب على مفاجأة استراتيجية مدوّية: "لن يتم تسليم اليورانيوم الإيراني إلا بعد فتح المنشآت النووية الإسرائيلية للتفتيش الدولي، وانضمام إسرائيل إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية".
هذا الشرط، وإن بدا تعجيزيًا، فهو مناورة تفاوضية فائقة الذكاء، تفضح ازدواجية المعايير الأميركية، وتضع واشنطن في مأزق أخلاقي وقانوني أمام المجتمع الدولي: كيف تطالب أمريكا إيران بتفكيك برنامج سلمي تحت إشراف الوكالة الذرية، بينما توفر الغطاء العسكري لترسانة إسرائيلية نووية ترفض التوقيع على المعاهدة؟
هذا الطرح لن تعارضه الصين أو روسيا، بل سيراه العالم في الأمم المتحدة مطلبًا عادلًا قائمًا على "المعاملة بالمثل"، مما ينقل الكرة إلى الملعب الأميركي ويعطل قدرة واشنطن على تشكيل جبهة دولية ضد طهران.
ترامب راهن على سياسة "حافة الهاوية" و"التراجع في اللحظة الأخيرة" لكسر إرادة إيران، لكن الذكاء الإيراني حول تردده إلى سلاح: بينما كان يماطل، واصلت أجهزة الطرد المركزي دورانها لتفرض واقع 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب.
شرط تفتيش المنشآت الإسرائيلية هو السقف الأعلى الذي يشل قدرة ترامب على الابتزاز، فهو يعلم أنه لا يملك الجرأة أو الصلاحية لإجبار إسرائيل على كشف أسرارها النووية، فيتحول الشرط الإيراني إلى درع دبلوماسي يحمي الإنجاز النووي الإيراني ويغلق الباب أمام أي مطالب أميركية إضافية.
الحقيقة الأعمق أن طهران تدرك استحالة تحقيق هذا الشرط، لكن قيمته الاستراتيجية تكمن في صناعة الذريعة المثالية: فرفض واشنطن وتل أبيب -وهو حتمي- يمنح إيران الحق في إعلان فشل الدبلوماسية، مع تحميل أمريكا كامل المسؤولية، ويفتح الباب شرعيًا للاحتفاظ بالمخزون الحالي، بل وربما رفع مستوى التخصيب إلى الدرجات العسكرية كخطوة ردعية مشروعة لحماية الأمن القومي من خطر نووي إقليمي خارج أي رقابة.
تعليقات
إرسال تعليق